٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥

نص المذكرة التي قدمها التجمّع لقداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته لبنان

نص المذكرة التي قدمها التجمّع لقداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته لبنان

مذكرة موجهة إلى قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر السامي الإحترام
المُرسِل: "مسيحيّون من أجل لبنان"

بإسم الآب والإبن والروح القدس

قداسة الحبر الأعظم،
بدايةً، نحن، تجمّعٌ من الشخصيات المسيحية الفاعلة والمناضلة من أجل المسيح ولبنان والحضور المسيحي في لبنان والشرق، لدينا مواقع حساسة وواقع شعبي وتمثيلي متنوع، ولدينا خبرة طويلة في المجالين الوطني والمسيحي، نتخذ منذ سنوات تعاليم يسوع والكنيسة ونصوص الإنجيل والإرشاد الرسولي للبابا القديس يوحنا بولس الثاني "رجاء جديد للبنان" مساراً لأعمالنا المشتركة، كلٌ في موقعه، وهمنا الأول صون الوجود المسيحي، غير ان التداعيات والمؤامرات الخطيرة والضاغطة والمدمرة والمستمرة على لبنان، من الخارج ومن الداخل، ومن النواحي كافة، كانت تحبط مساعينا على الصعيد المسيحي العام.

لذلك يا أبانا الأكبر،
تداعينا عاجلاً في هذه المرحلة الخطيرة من حياة مجتمعنا ووطننا، لأننا لسنا شهود زور ولا متخاذلين، ولأننا نرى في زيارتكم للبنان بارقة أمل جديدة ورجاءاً متواصلاً، فأتينا بهذه المذكرة لنطلق إلى مقامكم الكريم صرخة مشتركة تعبر عن الوجع والمعاناة الكبيرة عند الناس، خاصة الذين لا صوت لهم، في نداء بنويّ صادق وصارخ، شاكرينكم على زيارة لبنان وطن المحبة والرسالة بقلوب يملؤها الرجاء والإيمان الراسخ بأن دوركم الأبوي سيشكّل سنداً إنقاذياً، روحياً ومعنوياً للبنانيين، ولا سيما للمسيحيين الذين يمرّون اليوم في أصعب الظروف الوجودية منذ عقود.

صاحب القداسة،
نحن نؤمن بأن شخصكم الكريم سيتفهم صرختنا من خارج البروتوكول الرسمي والتقليدي، المحترف في صناعة مسرحيات الظهور والتمثيل غير الحقيقي لواقع شعبنا المسيحي الذي يعاني من الشرذمة والقلق على المصير وإنهيار المؤسسات والإقتصاد والبطالة والهجرة والتفلّت الإجتماعي والفساد على كافة الصعد، إضافة إلى تراجع الإيمان،
ونحن نؤمن بأنكم مطّلعون على العناوين الرئيسية لهذا الواقع الذي بات يحتاج إلى مجلّدات لشرح عمق مشاكل مجتمعنا، التاريخية والمتراكمة،
غير أننا نؤمن أيضاً بأن نور الروح القدس سيضيء على أوجاعنا ومشكلاتنا، وسيعطيكم الحكمة المطلوبة للتحرك من أجل شعب مؤمن صامد على أرض المسيح.

وسنوجز مذكرتنا بالتالي:
الباب الأول: الأوجاع والمشكلات:

أ: معاناة المسيحيين في لبنان:
يشهد المسيحيون في لبنان تراجعاً خطيراً في أمنهم الاجتماعي والاقتصادي والوجودي، يتجلّى في عدة مظاهر، أبرزها:
1- الهجرة الواسعة التي باتت تستنزف الطاقات الشابة والعائلات، وتهدد التوازن الديموغرافي التاريخي. فبعد أن كانت نسبة المسيحيين 73% منذ 100 عام، باتت اليوم لا تتعدى 35%.
2- التدهور الإقتصادي الذي أفقد اللبنانيين في شكل عام، والمسيحيين في شكل خاص، مقومات الحياة، ودفعهم إلى الفقر والبطالة وفقدان الأمان وفرص العمل.

1/3
3- غياب الدولة الفاعلة وانتشار الفساد، ما جعل المواطنين يشعرون باليأس من مؤسسات يفترض فيها أن تحميهم وتدعم صمودهم.
4- تهديد الاستقرار المجتمعي نتيجةً لغياب العدالة وضعف الثقة بالقضاء وانتشار السلاح غير الشرعي.
5- تراجع الدور المسيحي الوطني الذي لطالما كان ركيزة بناء لبنان الكبير ودوره ورسالة العيش المشترك.
6- حروب الآخرين على أرض لبنان.
7- إنتشار الموبقات الإجتماعية والأخلاقية في شكل كبير، خاصة بين الشباب، كالمخدرات والدعارة والشذوذ الجنسي وكسل الإحباط.
8- خطر تجنيس السوريين وتوطين الفلسطينيين، الذي سيخفض نسبة المسيحيين إلى حوالي 15%.

ب: مسؤوليات الأحزاب المسيحية والقيادات السياسية:
وعلى الرغم من حجم التحديات، يشعر الكثيرون من أبناء المجتمع المسيحي بأن أحزابهم وقياداتهم السياسية التي تزعم تمثّيلهم لم تعد تؤدّي دورها المطلوب، بل أدواراً فاشلة سبّبت تراجع الحضور والنفوذ، فهي باتت مرتهنة للخارج، ولم تعد تمثل مجتمعةً أكثر من 30% من المسيحيين، وقراراتها لا تنبثق من صالح الشعب المسيحي، وذلك من خلال:
1- الانقسامات الحادة بين الأحزاب المسيحية، المبنية على الأنانيات وأولوية مصالحهم الشخصية والحزبية على حساب المصلحة العليا للمسيحيين واللبنانيين عموماً، أضعفت قواها وبالتالي قدرتها على حماية الوجود المسيحي والدفاع عن مصالحه الوطنية والوجودية.
2- عجزهم جميعاً عن إنتاج أي مشروع سياسي مشترك، أو فردي، يعيد الثقة إلى لأفراد ويعزز الحضور المسيحي في الدولة. إضافة إلى تقصيرهم في صون حقوق المسيحيين في الإدارات العامة، وفي ضمان تمثيل عادل وفعّال.
3- التبعية الفاضحة للخارج وارتباط معظم زعماء الأحزاب بمشاريع لا تصون لبنان وحقوقه وحقوق شعبه بل الدول التي يتلقون منها أموالهم وأوامرهم. لا بل يدخلون المسيحيين في حروب الآخرين بعد أن جعلوهم رأس حربة في مواجهة دموية إنتحارية مجانية للحفاظ على مواقعهم وطموحاتهم الشخصية مع عائلاتهم.
4- قتل روح الجماعة والأخوّة في المسيحية بسبب الأحقاد والصراعات المستمرة فيما بينهم، ونشر البغض والكراهية بين الفئات المحازبة، خاصة الشباب، بدل التنافس بروح رياضية في العمليات الإنتخابية وغيرها.
5- إبتعاد شعاراتهم السياسية عن تعاليم المسيح والكنيسة وأهمها المحبة والرحمة والإنسانية والإنفتاح، إضافة إلى تسويق الأعمال الشيطانية، وعلى سبيل المثال لا الحصر:
- تبرير سفك الدماء البريئة في الحروب.
- محاولة تشريع الشذوذ الجنسي بتقديم مشاريع قوانين لالغاء العقوبات على من ينشرها في المجتمع.
6- تضليل المجتمع عن حقائق إنهزاماتهم السياسية بخلق أعداء وهميين لشد النبض التعصبي، وكذلك عمن هم الأعداء الحقيقيون للوجود المسيحي في لبنان والشرق.

ج: تراجع دور المرجعيات الدينية والثقة بها:
تراجع بدرجة خطيرة الدور الروحي الذي يتوجب على الكنيسة ومؤسساتها أن تقدمه للمجتمع المسيحي حيث بات عدد كبير من المؤمنين يشعر بالأسف والنفور تجاه بعض الممارسات داخل الأطر الكنسية، منها:
1- الابتعاد عن هموم الناس اليومية وعدم مواكبة معاناتهم الاجتماعية والمعيشية.
2- تراجع الحزم في صوت بكركي ودورها الذي لطالما ميّز الكنيسة في الدفاع عن الحق والعدالة، وهي من أُعطيت مجد لبنان.

2/3
3- انتشار حالات التقصير الإداري والمالي في الكثير من المؤسسات الكنسية، ما خلق شرخاً في الثقة بين المؤمنين والقيادات الدينية.
4- الحاجة إلى تجديد الخطاب الكنسي وأداء الكهنة والرهبان بما يتلاءم مع تحديات الشباب والعائلات في هذا الزمن الصعب.
5- تحويل المؤسسات الطبية والتعليمية التابعة للكنيسة الى مؤسسات تجارية بحتة، بشكل عام، فبات همّها الوحيد الربح وتناسي الدور الأساسي لرعاية الفقراء والمحتاجين أولاً.
6- تورّط الكثير من رجال الدين في المحاور السياسية والحزبية والصفقات المالية على أنواعها.
7- إهمال كبير للنشاط التبشيري الكاثوليكي بسيدنا يسوع المسيح وأمنا مريم العذراء، مما أتاح نشوء المئات من المراكز الدينية البروتستانتية ومؤسساتها التربوية والاستشفائية.

الباب الثاني: آليات سريعة لبعض الحلول:
صاحب القداسة،
إننا نتوجّه إليكم بنداء بنويّ صارخ وصادق، نقترح فيه بعض المبادرات السريعة أو طويلة الأمد وغير المستحيلة، ونرجو من خلاله:
1- التدخّل المباشر في مواجهة الفساد الإيماني والأخلاقي والمالي والسياسي في الجسم الإكليريكي.
2- إطلاق مسار دعم دولي في العالم المسيحي، يساعد مسيحيي لبنان على الثبات في أرضهم وبالأخص من خلال تعزيز المساعدات على أنواعها وتحفيز الإستثمار في لبنان لإعادة خلق فرص العمل وصون حق السكن والتعليم والاستشفاء.
3- التحرك مباشرة من موقع الأب الأكبر لتوحيد كلمة القادة والمرجعيات المسيحية سياسياً وروحياً وإجتماعياً وإقتصادياً.
4- الضغط لإلزام الكنيسة بالعودة إلى دورها الفاعل في رعاية المجتمع المسيحي في لبنان عبر مبادرات رعوية وإنمائية في كافة المناطق وبالأخص في الارياف والمناطق النائية تُعيد الأمل إلى العائلات.
5- تعزيز دور المؤسسات الكنسية التربوية والإجتماعية التي تشكل ملاذاً للفقراء والطلاب.
6- تشجيع الإكليروس لممارسة دور أكثر جرأة في الدفاع عن المظلومين والأبرياء في كل المجالات.
7- توجيه المركز الكاثوليكي للإعلام، ودوره الفاعل والضاغط إلى إعادة صوغ رؤية إعلامية جديدة ونشر وتسويق ومراقبة تطبيق جوهر الرسالة المسيحية.

الباب الثالث: الرجاء والرسالة:
نؤمن يا صاحب القداسة بأن صوتكم قادر على إحياء الرجاء في النفوس، وتحفيز الصحوة في قلوب الضالّين وعقولهم، وعلى دفع الجميع من قادة وسياسيين ورجال دين، إلى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية في حماية الوجود المسيحي، والحفاظ على لبنان وطناً للحرية والتعددية والرسالة.
ونرفع إليكم صلاتنا مع الإمتنان لزيارتكم المباركة، سائلين الله أن يسدد خطواتكم دائماً، وأن يمنح لبنان نعمة السلام والاستقرار.

وتفضلوا، يا صاحب القداسة، بقبول فائق الإحترام والتقدير.
بيروت في 20 تشرين الثاني 2025